رحّالة - Travelنصائح - Tipsوجهات - Destinations

٦ اشهر في روما

روما التي تسكنك أو تسكنها

يقول المثل الشهير والذي يُعتقد أنه يعود للقرن الرابع ميلادي “عندما تكون في روما افعل مايفعله الرومان”، هذا المثل ينطبق على أي مكان تذهب إليه وأي مدينة تزورها، ولكن في روما فحتما ستجد نفسك منصاع لأهلها تفعل مايفعلونه بكل سعادة وفرح.

عندما وصلت لروما في نوفمبر ٢٠١٥ لم أكن أعرف إلى متى سأظل هناك وهذا أجمل ما في الأمر، ولكن ماذا سأفعل طيلة هذه المدة المفتوحة يا ترى؟

مدينة روما تعد من تلك المدن التي إما أن تعشقها بلا حدود وإما أن تغادرها فوراً دون فهم سبب حب الناس لها، وأنا بالطبع من الفئة الأولى، من اولئك الذين رأوا فيها منذ الزيارة الأولى عام ٢٠٠٨، متحف ضخم لايمكن معرفة بدايته او نهايته، ومن اولئك الذين تذوقوا أجمل الأطباق الإيطالية فيها وساروا على الأقدام في أزقتها اللامعدودة وتلالها السبع الشهيرة دون أن يشعروا بالوقت او التعب من أرضها المميزة بأحجار الرصف ” سامبيتريني” والتي تساعد في عدم الإنزلاق أثناء السير في المدن ذات الطبيعة المتقلبة بين المرتفعات والمنخفضات.

لماذا روما؟

في داخل كل منا مدينة، قد تكون تلك المدينة هي مدينته الأساسية “مسقط رأسه” او مدينة عاش فيها بسبب طبيعة عمله او دراسته فتمكنت منه وباتت ذكرياته معه الأقوى او قرأ عنها صدفة فباتت زيارتها حلما وعندما زارها وجد نفسه فيها او غير ذلك، عندما التقي بعض الأطفال الذين يتحدثون بشغف عن مدينة محددة لم يزوروها بعد ولكنها أحد أهم احلامهم فإني اتذكر حكايتي مع روما، لطالما تساءلت عن بداية اهتمامي بمدينة روما، لكن الجواب الوحيد الذي يطرأ على ذاكرتي هو كتيب تعلم اللغة الإيطالية الصغير الذي وقع بين يدي في صغري، أبهرتني الصور الصغيرة على غلافه فرحت اقرأه ومن ثم وجدت نفسي اقضي وقتي لتعلم الإيطالية والتي كانت بداية تعلمي لهذه اللغة، لم تكن قراءتي لكتيب تعليم الإيطالية مجرد محاولة للتعلم بل ورحت ارسم برج بيزا المائل حتى أني عندما زرته وصعدت سلالمه غير المتوازنة والمنهكة، بت اردد بداخلي ” لم أكن أعلم أن رسم الواجهة الخارجية للبرج أسهل كثيرا من صعوده، لم أكن اتخيل يوما أن الطريق بداخله ضيق ومعتم لهذه الدرجة !”

اللغة

في روما بدأت اولاً بتحديث لغتي الإيطالية فالتحقت بمدرسة ليوناردو دا فينتشي في قلبها التاريخي منذ صباح اليوم الأول بعد وصولي مساءً، وبالرغم من أن هناك كثر يسألون لماذا نتعلم لغة قليلة الاستخدام؟ فإن الإجابة ببساطة عدا عن كونها لغة موسيقية جميلة فهي لغة مهمة اذا ماكنت ستقضي وقتاً في ايطاليا، فضلا عن كونها لغة لاتينية ستسهل عليك تعلم اللغات الأخرى كالفرنسية والاسبانية والبرتغالية كما حدث معي عندما جربت تعلم الاسبانية في ملقا، كما أن جمال اللغة الايطالية بالنسبة لي يكمن في كونها تنطق تماما كما تكتب، وهذا يعتمد على تعلمك قواعد هجاءها الأساسية ولحسن حظي فما تعلمته في صغري ساهم في جعلها راسخة في ذهني وساعدني كثيرا في الإستمرار بتعلمها، وحتى لا أمل من هذه المهمة فقد تعمقت في دروسي اللغوية بدمجها مع دروس التاريخ الإيطالي وخاصة ذلك المتعلق بروما، ومع هذه الدروس التي حصلت عليها في مدرسة Romit بدأت المس تقدما في ممارستي للغة مع العامة في روما، كما أنها أوحت لي بالكثير مما كتبت في روايتي ميموزا والتي أخذت عنوانها من تلك المدينة الصديقة للنساء التي تخيلتها، لكنها كانت تشبه كثيرا روما التي عرفتها في مرحلة صعبة جداً من حياتي، فمدينة روما وحكايا تاريخها التي تلمسها أينما تذهب حتما ستقتحم كتاباتك وافكارك مهما كان نوعها.

كواليس كتابة “ميموزا”

بعد نحو شهرين من الدروس المكثفة للغة الإيطالية، استيقظت يوما وكأني قد استيقظت من كابوس، سألت نفسي ماذا أفعل سوى تعلم اللغة وكتابة المقالات للمواقع الالكترونية والخروج مع زميلات الصف كل يوم؟ كان الأمر صادما بالنسبة لي، فبعد أن يضيع عام من عمرك وسط قيود ساسية واجتماعية تمنعك من ممارسة أنشطتك المفضلة، ستعرف حينها قيمة كل دقيقة تمر عليك دون فعل ما تريد ودون أن تنتج خلالها شيئا يسمح لك النوم مساءً وأنت قرير العين، حينها تذكرت تلك الصعوبات التي مررت بها لكتابة صفحات مبعثرة لروايتي التي لم يكن لها اسم حينها على موقع اونلاين حتى لا تضيع اذا ما قبُض على حاسوبي لأي سبب كان، ومن هنا استسمحت الرفيقات للإنعزال وانطلقت في الميموزا واوراقها، حتى أني انتهيت من كتابتها ومراجعتها قبيل مغادرتي روما بأيام قليلة فقط، فبدلا من الذهاب بشكل يومي بعد الدروس مع الزميلات لتناول وجبة الغداء وتجربة مطعما جديدا عتيقا من مطاعم روما المتعددة ثم السير في أزقتها والتسوق والتنزه واحاديث النميمة وغيرها، قررت فعل كل ذلك برفقة جهاز الحاسوب الخاص بي، اذ كانت النميمة بيني وبينه فقط وبإمكاني محو ما قلته له متى ما شئت او حتى تعديل تلك النميمة، فحددت بعض المقاهي بأجواءها المناسبة للكتابة ورحت اكتب دون توقف حتى وجدت النص الأساسي قد اكتمل في اسبوعين فقط، ثم تفرغت لإعادة تنقيحه ومراجاعاته وغير ذلك، تلك العزلة سمحت لي رؤية روما بمنظور مختلف، اذ يمكنني القول اليوم أني قد تعرفت على هذه المدينة مع عائلتي ثم مع اصدقائي ثم مع رفقاء تعرفت عليهم هناك، ثم وحدي وفي كل الحالات ما زالت روما بالنسبة لي هي روما التي اغرمت بها مهما سمعت من الغير عن سلبياتها.

الأمان

قبيل رحلتي باتجاه روما باسبوع تقريباً التقيت معلمتي الإيطالية في دبي، وعندما علمت بنيتي المكوث في روما لمدة من الزمن نصحتني بأخذ الحيطة من السارقين هناك فمستوى الأمان كما قالت في انحدار، بالطبع اقلقتني كلمات المعلمة ماورا خاصة وأنها تعرف بلادها أكثر مني، لكن ذلك لم يكن بالنسبة لي سوى تحذير مثل الذي أقرأه في وسائل الاعلام، فتجربتي في روما أكدت لي ببساطة أن كل ما عليك هو التنبه وأن لا تكون مهملا وتترك اغراضك بعيدة عن عينيك ثم تقول سرقوني، فلن يسرقك أحدهم بسحب اغراضك او طعنك لا سمح الله، كل ما في الأمر أن تلك الحوادث هي نتيجة استغلال المتسولين والسارقين لإهمال الناس لأغراضهم، وقد صادف بعد وصولي إلى روما أن حدثت تفجيرات باريس في نوفمبر 2015، ما جعل الوجود الأمني مكثف وهو ما خلق مزيد من الأمان لمثل هذه الأمور ” السرقات” والتي لا تعد شيئا امام يقظة الأمن لايقاف اي محاولة ارهابية.

الإقامة – السكن والفيزا

بالتأكيد لن أقضي ستة اشهر في روما وأنا أقيم في الفنادق، فلا الأمر مجدي مادياً ولا حتى مريح، خاصة وأن معظم غرف الفنادق الأوروبية معروفة بصغر حجمها، في بداية رحلتي وبعد أن التحقت بمدرسة تعليم اللغة سألتهم عن أماكن الإقامة المتاحة لديهم، فعادة ما تكون أسعارها مناسبة للطلاب “مثل ما حدث معي في رحلتي لملقا” وبعد الإطلاع على الخيارات قررت الإقامة مع سيدة ايطالية في مونتي فيردي على تلة جانيكولو Gianicolo ثاني أعلى تلال روما المكونة من سبع تلال، حيث الإطلالة المبهرة على مدينة روما، تختلف اسعار الإقامة بحسب اختيارك بين غرفة بحمام خاص او حمام مشترك وعادة ما تتراوح بين ٢٢-١٨ دولار لليلة الواحدة في معظم مدارس اللغة، ومن حسن حظي صادف أن تكون معي في تلك الإقامة زميلتي التركية التي تدرس معي بالصف ذاته، ما جعل التجربة أسهل وأكثر متعة، وبعد نحو شهر تقريبا قررنا أنا وزميلتي “بيرنا” الإنتقال لمنزل آخر به خصوصية أكثر لأسباب عدة، منها أن يتسنى لنا الإجتماع مع زميلاتنا للدراسة، وعند البحث المطول وقعت أفضل الخيارات بين أيدينا عبر موقع “airbnb” إذ اخترنا الإقامة في شقة مكونة من غرفتين وحمام ومطبخ، في منطقة Porta Pia بالقرب من حديقة فيلا بورغيزي الشهيرة وعدد من السفارات المهمة وكانت تكلفة الغرفة على الشخص الواحد تبلغ نحو ٨٥٠ يورو في الشهر الواحد شاملة التنظيف مرة كل اسبوعين والكهرباء والانترنت، وبعد شهرين انتقلت زميلتي بيرنا لمدينة ميلانو وانتقلت أنا لمنزل ” ستوديو” في الطابق الأرضي بمنطقة مونتي التاريخية والقريبة من الكولسيو الشهير بخدمات وسعر مقارب لسعر الشقة الأولى للفرد الواحد، وهكذا كانت تجربتي مع  “اير بي ان بي” خلال اقامتي في روما ولأنها تجربة ناجحة فقد قررت استخدام الموقع في رحلاتي التي تزيد عن يومين في باقي المدن الايطالية متى ما توفرت خيارات جيدة او على الأقل افضل من الفنادق ، وهو ما حدث معي في رحلتي لفنيسيا حيث استأجرت شقة الدور الأخير “بنتهاوس” مكونة من ٣ غرف ملحقة بتراس ومطلة على إحدى القنوات، كان موقعها مناسب جدا وبسعر غرفة في فندق ٤ نجوم.
وفيما يتعلق بإقامتك القانونية في ايطاليا، فإن الفيزا السياحية تتيح لك البقاء ل٣ أشهر فقط خلال كل ٦ اشهر، ما يعني أن عليك مغادرة الآراضي الإيطالية بعد ٩٠ يوما ما يدفع البعض للإنتقال إلى دول مثل سويسرا االمجاورة لايطاليا إذ أنها من دول الشنغن وليس الإتحاد الأوروبي، أما إن كانت فيزتك هي من فئة فيزا الطلاب فستتمكن من الإقامة وفقا لمدة دراستك.

التنقل داخل روما وبين المدن

التنقل داخل مدينة روما يأخذ أشكالاً رئيسية، إما أن يكون سيرا على الأقدام كونها مدينة ممتعة، أو بالحافلات المحلية وأنصحك بإستخدام غوغل ماب الذي يوضح لك أين ومتى وكم رقم الحافلة الأنسب لوجهتك بغاية البساطة كما أن الحافلات متوفرة بكثرة وهي أفضل خيارات روما للمواصلات العامة المتاحة، أو بالمترو السريع والمناسب غير أنه قد لا يأخذك لمناطق مهمة مثل المنطقة التاريخية والفاتيكان، فهو مناسب لسكان أطراف روما، او سيارات الأجرة المتوفرة في زوايا محددة من المدينة، أما شركة اوبر فلها نسخة واحدة في ايطاليا وهي البيزنيس حيث اسعارها مقاربة جدا لأسعار سيارات الأجرة.

عندما تقرر الإقامة في روما فإنك قد اخترت بذلك منتصف ايطاليا ما سيجعل تنقلاتك في غاية السهولة بالسيارة اوالباصات او القطارات السريعة وغير المكلفة، غير أن رحلاتك باتجاه مدن الجنوب بحاجة للتيقظ، اذ لا تبدو منظمة ومنتظمة كما هو الحال مع رحلات الشمال، تعد قطارات فريتشاروسا Frecciarossa هي الأسرع والأفضل والأكثر كلفة بالطبع، كما أن بعض الرحلات للمدن غير الرئيسية قد تتطلب منك تغيير القطار وأحيانا استخدام الباص لإكمال رحلتك، مثلما حدث معي عند زيارتي لمدينة سيينا قادمة من روما، أما رحلتي من روما إلى سورينتو مرورا بنابولي فقد كانت مليئة بالمغامرات، إذ توقف القطار “وهو قطار محلي بسيط جدا” وراح الإعلان الصوتي يتحدث بإيطالية محلية صرفة لم نفهم منها أنا ورفيقتي سوى أن القطار لن يكمل رحلته، بينما باتت أنظار السياح تتبعنا لمعرفة كيفية اكمال الرحلة، وعندما خرجنا من المحطة سألت بائع البقالة عن المحطة الأخرى التي سنغير من خلالها القطار، هناك سمعت أصوات المارة وزبائن البقالة كلن يحاول المساعدة، لكن الأمر انتهى بأن سرنا إلى محطة القطار التي تبعد نحو كيلوين باتجاه البحر، وما أن وصلنا كان القطار يستعد للرحيل، أذكر لحظتها كيف قفزت ليشدني الركاب من ساعدي حتى أكمل رحلتي معهم في ذلك القطار البسيط، غير أ٫ الطريق الساحلي الساحر يشعرك بأن كل ما تفعل هو في الطريق الصحيح، لم تنته الحكاية فالقطار لم يأخذنا إلى وجهتنا سورنتو بل إلى بومبي الشهيرة، ثم تمكنا وأخيراً من ايجاد الباص المتوجه صوب سورينتو لنصل بعد يوم شاق، طويل وممتع. 

شريحة الهاتف

عندما وصلت إلى روما ولأن من حولي اقلقوني بمسألة الأمان هناك فقد اشتريت شريحة محلية فور وصولي للمطار، غير أن السعر كان صادما بالمقارنة بأسعار شرائح شركات الاتصالات المحلية في روما، ما يميز شريحة شركة ٣ والتي تباع في المطار تحديدا، أنها تتيح لك خيار الانترنت المفتوح والاتصالات المحلية والدولية بلا حدود، غير أن سعرها مبالغ جدا مقاونة بما يمكنك الحصول عليه من الشركة نفسها داخل المدينة وبباقات ابسط بكثير من تلك المقدمة في المطار، في المقابل تقدم لك شركات مثل wind انترنت يصل إلى ١٠٠ غيغابايت وعدد من الرسائل والاتصالات المحلية واستقبال اتصالات دولية مجاني ب١٥ يورو تقريبا فقط ، ويبقى عليك أن تبحث عن الشركة التي توفر الشبكة الأفضل في مدينتك من خلال مواقع وتطبيقات البحث عن الشبكة الأفضل في محيطك .

كنت أعتقد أني سأعرفك على حقيقتك ويخفت انبهاري بك لكنه ازداد

أخيراً وبالرغم من كونها ستة أشهر إلا أني لم أشعر يوما بالملل او الوحدة هناك، حتى أني لم أكن مهتمة بالسياحة واستكشاف مدن ايطاليا الشهيرة وأزقتها، إذ كانت معظم جولاتي للمدن الإيطالية نتيجة رغبة من حولي وزيارة الأقارب والأصدقاء المتحمسين، أما بالنسبة لي فكنت مهتمة كثيرا باستكشاف روما والاستمتاع بكل ما فيها إلى درجة أني غادرتها وما زالت قائمة الأماكن التي أود زيارتها واستكشافها في روما طويلة، وكلما فكرت أن أدون لكم تلك القائمة او على الأقل ما زرت منها شعرت أنها طويلة جدا وتتطلب مني وقتا طويلا، تلك هي روما التي احتنضتني وأهلها، بدءً من المعلمين والمعلمات والزميلات، ثم بصديقتي رافاييلا الصحفية التي كانت دائماً حولي، ثم بلقائي تلاميذ مدرسة Ladispoli واستقبالهم لي وغيرهم، تلك هي روما التي هونت علي مصيبتي وتحملتني في أحنك الحالات، تلك التي غادرتها وأنا أقول بداخلي ” كنت أعتقد أني سأعرفك على حقيقتك ويخفت انبهاري بك لكنه ازداد”.

خرافة: أختم بمعلومة من المعلومات المتوفرة على الانترنت والمتعلقة بايطاليا والتي يبدو أنها غير محدثة تلك التي تشيع أن الايطالين لا يقبلون البقشيش! والصحيح أن لا أحد وسط التغيرات الإقتصادية العالمية لن يقبل البقشيش في زمننا هذا.

حقيقة : الإيطاليون يستعينون بإشارات اليد كثيرا أثناء حديثهم وبعض الإشارات العربية والعالمية قد تعني معاني غير لائقة مقابل اشارات اليد الإيطالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق