تدوينات - Blogsتدوينة

قوتنا في ما قالوا لنا إنه ضعف

تحب أمي حفظها الله أن تروي في جلساتنا العائلية تفاصيل أول لحظة تكلمتُ فيها بعد تأخر كان يقلقها، وتقول إني كنت اقول كلاما غير مفهوم حتى سن الثالثة، الى ان جاء يوم وكنت العب مع اطفال فجئت اليها وتحدثت بكلمات مفهومة، لحظة غمرت امي بسعادة كبيرة وحتى اليوم تحاول فهم أسباب هذا التطور المفاجئ غير المفهوم بالنسبة لها.

تجاوزت تأخر النطق وبقيت اللدغة الرائية تحرجني باقي عمري، فحتى ان علق عليها احد مادحا اجدني تقوقعت محرجة أبرر اسبابها واني اعمل على تعديلها، تصفحت يوما كتيب للغة الايطالية ولفت نظري حرف الراء المثقل في هذه اللغة فعزمت على تعلمها والاستماع لها علها تفيدني وكانت التجربة عملية ولكن بشكل طفيف، علميا يعود تأخر النطق ومخارج الحروف الى اسباب كثيرة منها استخدام آليات انتاج الكلام والقدرات السمعية.

الى جانب هذه المعوقات كان يزعجني سماع بعض التعليقات في الصفوف الدراسية على صوتي الذي كان اكبر مني سنا، ففي احد الايام وبعد ان انتهيت من قراءة حديث نبوي على المذياع المدرسي والعودة للطابور الصباحي قالت لي زميلتي بصوتٍ اعلى من صوتي على المذياع، ما هذا الصوت يا ميساء انه اضخم من صوت “الابلة” الاستاذة نفسها، وفي ذلك العمر كان تعليقها مزعجا كثيرا لكني لم احاول يوما ان افتعل صوتا اخر، وعندما عملت مقدمة للبرامج في بداياتي كانت مديرتي تذكرني كل يوم بشرب اليانسون الدافئ عله يرقق صوتي ليقارب صوتها، إلى أن جاء يوما وكنت أقف مع مديرتي في احدى المؤتمرات فسمعني احد المخرجين السعوديين المعروفين وبينما كنت استأذن مديرتي بكلمات قصيرة لابلغها اني انهيت مهمتي قاطعني المخرج ليقول، لديك نبرة صوت مميزة، يجب ان نستفيد منها في مناسباتنا القادمة.

لقد نشأت في ظل طفرة الستالايت ودخوله لمنازلنا ورغم هذه المعوقات وجدت اهتماماتي تتجه صوب اختيار كتب فن الإلقاء ومهارات اللغة، كانت قواعد اللغة العربية المادة الدراسية المفضلة لدي وكنت اتعامل معها كمادة الرياضيات، معقدة وممتعة في الوقت ذاته، عالم القنوات الفضائية جعل طموحي ان اعمل في إعداد وتقديم البرامج والاخبار رغم علمي التام بحجم التحديات التي تقف امامي، وكان أول تدريب اعلامي خضعت له يركز على مخارج الحروف لي ولزملائي، لكن المدرب ركز بشكل خاص على اخراج حرف الراء من حبالي الصوتية بـشكل سليم، امر اعطاني امل بأن المسألة صعبة لكنها غير مستحيلة.

بعيدا عن مقولة الشجرة المثمرة ترمى بالحجارة ونظريات اعداء النجاح، فإن الروايات التي عشناها او قرأناها عن صعوبات ومعوقات واجهت اشخاصا في بداياتهم، يبدو انها كانت عوامل في تقدمهم في اختصاصاتهم بعد ان تجاوزوها، ويبدو أن ما يلفت أنظارنا في نقاط ضعفنا هو ما يجعلنا نكرس حياتنا لتجاوزه وأحيانا التفوق عليه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حقيقي أنك تمتلكين خامة صوت مختلفة تميزك عن غيرك
    ومقالك ملهم أستاذة ميساء 💐

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق