تدوينات - Blogsتدوينة

“بنت مكة” أدرى بشعابها

في العام ٢٠٠٥ صدرت رواية “بنات الرياض” للكاتبة رجاء الصانع، رافقها الكثير من الضجيج والتشنج الداخلي في أروقة الأدب والصحافة السعودية بعد أن وجد كثر فيها إساءة وتشويه لواقع بنات الرياض، ما جعلها تتصدر اخبار العالم، ورغم كل ما تعرضت له الكاتبة الشابة آنذاك إلا أن أقصى مخاوف الصانع كانت تتلخص في منع فسحها في السعودية او كما صرحت بعد سنوات من فسحها أنها كادت تحرمها البعثة والوظيفة وتسببت في بعض العراقيل في حياتها المهنية.

اليوم وعلى غرار رواية “بنات الرياض” وضجيجها نتابع أغنية “بنت مكة” لأصايل، لكن الأمر تجاوز مسألة النقد والاعجاب والعراقيل مع وجود مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة موقع تويتر الأكثر استخداما في السعودية، وبلغ حد اللغة العنصرية التي وصفت الفتاة وفريق عملها بأنهم لا يمتون لمكة وأهلها بصلة، فيما راح آخرون يلومونها على الرقصات التي تظهر في الفيديو وتعارضها مع قدسية مكة، بالرغم من أنه ليس هناك مشهدا واحدا في الفيديو يؤكد أنها فعلا في مكة!

ووسط هذا الجدل الواسع وجه أمير منطقة مكة خالد الفيصل بإيقاف المسؤولين عن إنتاج فيديو أغنية الراب “بنت مكة” وإحالتهم للجهات المختصة للتحقيق معهم وتطبيق العقوبات بحقهم لإساءته لعادات وتقاليد أهالي مكة وتنافيها مع “هوية” وتقاليد أبنائها الرفيعة “كما جاء في تغريدة امارة منطقة مكة المكرمة في تويتر”.

أغنية “بنت مكة” ليست أغنية الراب الأولى السعودية التي ارتبطت بمكة، فهناك فرقة راب تدعى “عيال مكة”، وهناك أغنية راب عرفت بالعبارة المكاوية الشهيرة “مكة حقنا” وتم استضافة مغنيها على الشاشات السعودية عام ٢٠١٥ قبل تفشي العنصرية العلنية على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى مستوى الراب النسائي فقد تابعنا اغنية “قيادة السيارة” لـليسا عام ٢٠١٨ والتي حظت بملايين المشاهدات على اليوتيوب وللعلم تم تصويرها في المدينة المنورة لكن الفتاة ليست سمراء كبنت مكة! إلا أن ما يذكرني اليوم برواية “بنات الرياض” رغم مرور نحو ١٥ عاما على اصدارها وكل ذلك الجدل الذي واجهته كاتبتها، هو ذلك العنوان الذي يوقظ المشاعر الرجعية فيصرخ قائلا إلا البنات، ويدخل في صراع أفكار الشرف ويتألم لما يراه او يقرأه وهو لا يقرأ سوى العنوان او ربما يستمع لرأي يصف له الكتاب او الأغنية،

من قال لكم إن أغنية “بنت مكة” اساءت لبنات مكة اللاتي حاول بعضهن من خلال حساباتهن في تويتر امتصاص غضبكم دون جدوى؟ من قال إن اصايل لا تشبه بنات مكة؟ ولا تمثل نفسها كإبنه من بنات مكة، حتى وإن ثبت كما يشاع اليوم أنها لا تحمل الجنسية السعودية، من قال لكم إن مكة جنسية أو إنه بامكان احد ما أن يغير من ملامح هويتها التي تراكمت عبر قرون؟

إليكم ما لا تريدون معرفته عن مكة:

في مكة المكرمة هذه المدينة المقدسة الطاهرة يعيش مئات الآلاف من سكانها عبر قرون، ويتعايش فيها مزيج كبير من الأعراق والأصول، نصف بعضنا البعض بالفاظ قد يجدها البعض عنصرية لكننا اعتدنا الامر وبات شبه طبيعيا، نعيش مع قبائلها وقبائل استوطنتها من الجزيرة العربية وشعوب قدمت للحج ووجدت فيها ضالتها، وهذا ما جعل خليط مكة أوسع مما هو عليه في المدينة المنورة، فتجد سعوديين من أصول شرق اسيوية يعرفون بـ”الجاوية” نسبة إلى جاوة الجزيرة الاندونيسية وتشكل اطباقهم عنصرا رئيسيا في المطبخ المكاوي واشهرها طبق الاكل الجاوي المشكل “آخ ما الذه”، وسعوديين من أصول افريقية يلعب من ابنائهم في المنتخب السعودي وشكلوا البداية المميزة لرياضة كرة القدم في السعودية ويطلقون عليهم في مكة “تكارنة” نسبة إلى مملكة تكرور، واشهر اطباقهم “سيريه اللحم” الذي انتشر مؤخرا في مكة بشكل ملحوظ، وهذين العرقيين يكاد أن يكونا خاصين بمدينة مكة المكرمة، وهناك عوائل مكاوية من أصول هندية ومصرية وسورية ومغاربية وغيرها، وفي الحجاز نستطيع معرفة معظم الالقاب واصلها ما إن كانت من جدة ام المدينة ام مكة بسهولة.

في مكة المكرمة يعيش الناس كباقي سكان الأرض، يأكلون، يشربون، يتزوجون وفي أفراحهم التي يحتفلون بها في البيوت قديما وفي قاعات الأفراح التي انتشرت لاحقا في المدينة وفنادقها يرقصون ويغنون، وقديما عرفت افراح مكة باستمرارها حتى شروق الشمس وكانت بعض قاعاتها ملاصقة للحرم، ويدخنون رغم منع بيع التبغ في مكة والمدينة مطلع الالفية إلا أنه بقي استيراده من جدة وغيرها من المدن المجاورة مسموحا فضلا عن “شيشة الجراك” التي تعرف عليها السعوديون بدء من هذه المدينة، يحبون كغيرهم من البشر فيلتقي الصغار سنا منهم مع عشاقهم سرا ككافة مدن السعودية والدول العربية التي تقيدها العادات والعيب والحرام، وعندما نتحدث عن السعودية ما قبل حادثة الحرم عام ١٩٧٩ فإننا نسرد تفاصيل لقاءات أسرنا المختلطة، ولكل إمرأة حرية خيار ارتداء الحجاب من عدمه في تلك الاجتماعات، فضلا عن تلك العباءات القصيرة وتظهر من تحتها التنانير الطويلة، كل هذا كان في مكة مثلها مثل باقي مدن المملكة، مكة التي كانت سباقة في سبل التعليم من خلال الكتاتيب واخرجت بعض مناهج التعليم إلى المملكة وعلمتنا التعايش والتسامح وفتح أبوابنا للحجاج دون خجل او ملل حتى تعلم الأميون فيها لغات الحجاج المسلمين، مكة التي كنت انتظر موسم حجها بفارغ الصبر لاتناول الطعام المتنوع الذي يبيعه الحجاج واشتري من منتجاتهم ليستعيدوا شيئا مما دفعوه في رحلة حجهم، مكة التي مهما انعدمت فيها وسائل الترفيه كان أهلها يجد دائما البدائل، إما في ساحات المشاعر المقدسة التي تعوضهم حرمان المنتزهات او في جبال الهدا والشفا بالقرب من مدينة الطائف او إلى بحر جدة، ولا انسى أن أذكرلكم بأن من سكان مكة من لا يصلي اولا يصوم اومن هم مثليون!

قد لاتكون معظم هذه المعلومات جديدة بالنسبة للبعض، لكنهم مثلما كانوا يتحدثون دوما عن خصوصية السعودية فهم اليوم قد جعلوا دائرتهم أصغر وحددوها صوب مكة والمدينة، وكلما حاولت هاتان المدينتان الارتقاء ولمس الحضارة منعوها وحجموها، وهم يدركون تماما أن  المدينتين لطالما عرفتا بأنهما السباقتان للعلم والمعرفة والتجارة والشعر، ومثلما تمكنت هذه المدينة من نسيان مبانيها العريقة العتيقة وشعابها المميزة وتشييدها بالفنادق الفاخرة، فأهلها قادرون أن يغنوا بلغة العصر ويرقصون ويظهرون كما يريدون، فلكل عصر مقال!  

كل هذا قد لا يكون شيئا أمام خطاب العنصرية الذي بات واضحا في تويتر السعودية والذي لا يقبل بهذه التعددية الجميلة التي فتحت آفاقنا إلى العالم، كل ما حدث مع “بنت مكة” والذي تجاوز ما حدث مع “بنات الرياض” قد لا يكون سوى عنصرية مقيتة ارتدت عباءة قدسية مكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق